الاثنين، 10 يوليو، 2017

The Last of Our Feels لنتكلم عن مشاعرنا في نهاية العالم ...


أهلاً بكم إلى تدوينة جديدة.. أعترف أن هذه التدوينة تأخرت كثيراً لكن ليس لغياب الإلهام ولكن على الأغلب لغياب الدافع وضيق الوقت. وفي الواقع وفي هذا العصر الذي تطغى فيه وسائل التدوين المسموعة والمرئية أتحرج بعض الشيء من استراق وقتكم الثمين في قراءة تدوينة مكتوبة قد لا تستهوي النفس. فأشكركم من كل قلبي الآن ودائماً على استقطاع الوقت لقراءة ما أكتبه وأقدر لكم كل التقدير.


قد يكون العنوان محيراً بعض الشيء للوهلة الأولى، لكن إن كنت ممن عاشوا التجربة فستعرف على الفور عم سأتحدث اليوم في هذه التدوينة.

The Last of Us 
أو كما نترجمها في وسط اللاعبين العرب: الباقون منا. اللعبة التي قامت بشكل أو بآخر بتقديم تعريف جديد للألعاب عموماً وخصوصاً الألعاب التي تتكلم عن نهاية العالم وانقراض البشر والنجاة.

في هذه التدوينة لست أكتب مراجعة للعبة ولا تقييماً ولا مدحاً أو ذماً لها. إنما الهدف هو استكشاف ما تقدمه لنا عاطفياً. هذه اللعبة الغنية بالمشاعر واللحظات والتفاعلات الإنسانية الرائعة. سنستكشف هنا بكل شفافية وأريحية ما شعرنا به ونحن نخوض التجربة، وما شعرت به الشخصيات التي عشنا معها الرحلة وتعرفنا إليها وعرفناها وتعايشنا معها بكل ألوانها وطباعها وسنسبر أغوارها ونغوص في خباياها. يمكن أن نقول أن هذه التدوينة ستكون غالباً تحليلاً أو جولة في دواخل ومكنونات هذه الشخصيات التي كتبت بإتقان يكاد يجعلك تنسى لوهلة أنها من نسج الخيال.

يجدر بي القول هنا أن هذه التدوينة وبطبيعة الحال ستتطرق وتستعرض معظم الأحداث الهامة ولذلك فالحرق مؤكد. ولكنني سأحاول تجنبه في بداية التدوينة والتنبيه حين يأتي الجزء الذي قد يفسد نهاية اللعبة. إن كنت لم تلعب اللعبة بعد أو لم تكملها، يمكنك الاستمرار بالقراءة على مسؤليتك الخاصة، ولكنني بالفعل وجدياً لا أنصح بهذا. فمتعة التجربة الأولى لا تعوض.

لكن ما الذي يجعل هذه اللعبة فريدة بحد ذاتها؟
قبل أن نبدأ في الحديث عن ما جعلتنا هذه اللعبة نشعر به، لنتذكر القصة ذاتها أولاً. 

تقع أحداث اللعبة في المستقبل القريب. حين انتهى العالم كما نعتاده ونألفه بسبب انتشار طفيل فطري وبائي ليصيب نسب كبيرة من السكان بشكل عالمي ويمحو معظم البشرية. المثير في هذا أن هذا الطفيل موجود فعلاً في الحياة الواقعية وهو حالياً لا يصيب إلا أنواعاً معينة من الحشرات. وهنا تظهر براعة القصة في تقديم رعب قريب ومألوف قد لا تفصلنا عنه سوى طفرة جينية أو اثنتين (اسمه العلمي هو Ophiocordyceps unilateralis لمن يشعر بالفضول). ينهش هذا الطفيل دماغ الكائن المضيف حتى يفقد الإرادة تماماً ويتحول إلى دمية تحت تصرفه هدفها التغذي والإكثار بأي طريقة ممكنة.

الطفيل يغزو دماغ نملة وينهشه ليستولي عليه تماماً!


نعم، فكرة الزومبي أو الموتى الأحياء مستهلكة تقول لي؟ أقول لك أن هذه اللعبة قد أخذت مفهوماً مبتذلا من مفاهيم الرعب وأعادت صياغته إلى كيان جديد كلياً.
فكرة ربط فناء البشرية بكائن موجود وحقيقي قدم الكثير لربط اللاعب بالقصة على مستوى شخصي، وإضافة طبقة شفافة من الواقعية وإحساس بالخطر قد لا تشعر به للوهلة الأولى، لكنه موجود وخامل في خبايا العقل الباطن.. تماماً كما الطفيل نفسه.

لكن هذا ليس كل ما تركز اللعبة على تقديمه. في الواقع إن قمنا بالتركيز على هذا العمل فسنكتشف أن المغزى الحقيقي، والهدف الأساسي والتجربة العظمى التي أراد المطور منا كلاعبين خوضها، ليست الخوف ولا إطلاق النار على الوحوش. إنما الرحلة الإنسانية.. ذا لاست أوف أس لا تحكي عن الوحوش، بل عن البشر في عالم الوحوش، عن كيف يصبح البشر وحوشاً، سواء بتأثير المرض أو بتأثير أنفسهم.

اللعبة تتحث عن شخصيتين تبحثان عن الإنسانية والأمان في عالم خال من كليهما. لتجداهما في أحداهما الأخرى.
تحدث عن الرباط العاطفي بين شخصيتين مختلفتين تمام الاختلاف، تتعلمان شيئاً فشيئاً كيف تثقان وتحبان.

بطل اللعبة جول شخص عادي، ولكنه عايش بداية هذا الرعب حين انبثق أول مرة. ودفع الثمن غالياً بخسارته ابنته الوحيدة إبان الفوضى التي صاحبت موجات الوباء الأولى. تلك كانت مشاهد الافتتاحية الأولى للعبة، والصدمة العاطفية الأولى، قبل أن تأخذنا إلى ما بعد عشرين سنة من هذا التغير الدراماتيكي في الحياة اليومية للبشرية أجمع.

وفي هذه الرحلة تصاحب جول فتاة صغيرة أخرى تدعى إيلي. إلي كذلك عانت كفايتها من الخسائر حيث أنها ولدت بعد خمس سنوات من نهاية الحضارة، عالم ليس فيه أي مكان لبراءة الطفولة ولا متسع لتكبر فيه كطفلة طبيعية ولدت في ظروف مثالية للنشأة. بلا والدين على هوى ما نعرف ولا حتى من يمكن أن يحل محل والد أو أن يكون بمثابة الدعم العاطفي لها. لا وقت للعاطفة في العالم الذي كبرت فيه إيلي ، فالنجاة والبقاء على قيد الحياة هما هم بما يكفي. أضف إلى ذلك مسؤولية أخرى تلقى على عاتقها، وهي كونها الشخص الوحيد الذي يعرف عنه حتى الآن بكونه منيعاً ضد المرض. وقد تكون أمل البشرية الوحيد ضد الفناء.

لكن ما هو السبب الذي جمع هاتين الشخصيتين المختلفتين؟ نعرف في سياق الأحداث أن جول قد تم تأجيره كي يقوم بتهريب إيلي إلى مقر جماعة تسمى "اليراعات". وهي جماعة مقاومة مناهضة تسعى لمقاومة المرض. تعتبر إيلي شخصاً ثميناً كونها الشخص الوحيد المنيع تجاه الطفيل. لذلك يطلب من جول مرافقتها والحرص على سلامتها حتى وصولها إلى مختبرات الجماعة بأمان.

جميعنا جربنا على الأقل لعبة واحدة من ألعاب "احم هذه الشخصية" أو "أنقذ تلك الشخصية" وكلنا نعرف كم يمكن أن تتحول محاولات إنقاذ شخصيات عديمة النفع والحيلة إلى جحيم لا يطاق. ولكن إيلي ليست أميرة رقيقة تختطف باستمرار ولا ابنة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية المدللة. رغم ضآلة حجمها وصغر سنها إلا أنها قادرة تمام القدرة على تدبر أمورها بل وإنقاذ جول نفسه والقتال معه جنباً إلى جنب، كندٍ بدلا من أن تكون عبئاً ثقيلاً. 

لكن قبل أن نستفيض في شخصية إيلي، ولتكون هذه التدوينة مرتبة وسهلة المتابعة، لنتحدث أولاً عن جول.


نتعرف على جول في بداية اللعبة كشخص عادي، أب محب مرح ومستعد لمقابلة ابنته دوماً بابتسامة مهما حصل. ولكن بعد خسارتها، لنرى ذلك الشخص السهل يتحول إلى رجل خشن قد بنى حول قلبه كل جدار ممكن وصد بوجه كل عاطفة. بنظر جول، أن تفتح قلبك مرة أخرى في عالم قاس كهذا معناه أن تخسر مرة أخرى وتتألم. الحب ليس خياراً في عالم البقاء. يطبق هذا المنظور مع إيلي عندما يقابلها أول مرة، يعاملها بخشونة وجفاء، فهي مجرد عمل يجب إنجازه. شيئاً فشيئاً، وبعد قضاء المزيد من الوقت معها يبدأ شيء ما يتغير في نظرته لها. فهي تستمر في كسر حواجزه واحداً تلو الآخر.. يبدأ يرى فيها ابنته التي يحاول دفن صورتها لعشرين عاماً. يبدأ بمعاملتها كند.. ثم يثق بها وتبادله هي الثقة. يريها العالم ويشاركها اللحظات التي لم يتسن له الوقت لمشاركتها مع ابنته.

جول قد عانى الكثير. خسارة ابنته.. خسارة تيس رفيقته في البقاء.. وفي عالم كهذا لا أستبعد أن يكون قد شهد الكثير من الموت الذي لم تتطرق اللعبة إلى ذكره في الأحداث. الخسارة والأسى هما سمة تتكرر كثيراً في اللعبة سواء في الأحداث التي نشهدها أو التي سبقت. يمكن القول تقريباً أن كل شخصية من الشخصيات قد خسرت عزيزاً. التعامل مع هذه الخسارة هو ما يفرق بين هذه الشخصيات. جول أخذ مأساته وبنى بها جداراً عازلاً يحمي به نفسه من المزيد من الحزن قبل أن تأتي إيلي وتعلمه طريقة أخرى للتعامل معه.

إيلي ورايلي في أحداث الإضافة القابلة للتحميل
إيلي خسرت شخصاً أحبته وهي صديقتها رايلي كما عرفنا لاحقاً في الإضافة القابلة للتحميل. لكنها تعاملت مع هذه الخسارة بشكل مختلف عن جول، استعملت هذه التجربة كوقود لتعاملاتها الإنسانية الأخرى. إن كانت إيلي قد تعلمت شيئاً من خسارة رايلي فهو أنها يجب ألا تتأخر ولا تنتظر للتعبير عن مدى أهمية من تحب بالنسبة لها، فالوقت لا ينتظر أحداً وهذا العالم الذي ولدت فيه علمها مراراً وتكراراً أنه لا يرحم. أن حياتك في هذه الأرض تعبر عنها علاقاتك فالجميع يموت في النهاية، لكن الوقت الذي تقضيه مع من تحب مهما كان قصيراً فهو ثمين بشكل لا يوصف ويستحق كل الألم اذي سيلحق لا محالة. لا وقت للخوف مما سيأتي، لأن الحاضر أهم. هذه هي القيمة التي قدمتها لجول وعلمته إياها ليتخلص من خوفه من مشاعره الخاصة.



لنفهم شخصية إيلي علينا أولاً أن نعي أنها لم تكبر في عالم يشبه عالمنا. إيلي بدأت حياتها في عالم قد انتهى قبل أن تبدأ هي. تعرعت وهي تسمع وترى الرعب والموت. تعلمت معنى أن "تبقى" وليس أن "تعيش". شخص نشأ في هذه الظروف قد تتوقع منه أن يتحول إلى آلة خالية من الإحساس تحيا لتعيش فقط. حقيقة أن إيلي شخصية دافئة مليئة بالحيوية والمرح والتفاؤل والفكاهة هي نظرة وفكرة مذهلة من أفكار فريق اللعبة لتخالف توقعاتنا تجاه شخصية الناس التي تواجه نهاية العالم وتجعلنا ننظر بمنظور جديد للأمر. وإذا فكرنا في مغزى ذلك، نجد أن هذا العالم الذي ولدت فيه إيلي بالنسبة لها هو العالم الطبيعي.. هي لم تختبر "الطبيعي" الخاص بنا نحن. ولدت فوجدت الحال هكذا ولطالما كان هكذا ولطالما سوف يكون. رغم أن مشاكلها أخطر بكثير من مشاكل مراهقة عادية إلا أنها في النهاية تتعايش مع أوضاعها كما هي. نحن كبشر مجبولون على التأقلم مع بيئتنا وأحوالنا. هذا هو المفتاح لشخصية إيلي.

إيلي لم تختبر معنى أن تكون عادياً كما فعل جول في حياته الطبيعية السابقة. لذلك كل تجربة مع جول كانت بالنسبة إليها شيئاً جديداً ومذهلاً. سواء بإرادته أو لا في البداية، فإن جول قد أخذ بيدها وعلمها وفرجها العالم. جعلها تخوض تجارب جديدة وتستكشف عوالم من زمن سحيق لا تعرفه. جول كان كياناً جديداً في عالمها وهي التي لم تعرف دفء الأب ولا حنان العائلة. جول قدم لها تجربة جديدة كما فعلت له هي. هو كان لها الأب الذي لم تعرفه، وهي كانت له الإبنة التي يبحث عنها.
كلاهما كان ضرورياً لإنقاذ الآخر. وكلاهما ساعد الآخر على النضج الشخصي.

الشيء الآخر الذي يثير الاهتمام في علاقتة جول وإيلي، ورغم خشونتها في البداية، هو أنها علاقة ذات دور متبادل. فجول يحتاج إيلى إلي بقدر ما تحتاج هي إليه. ولا أعني بحاجة إلي إلى شخصية أبوية أنها كانت تحتاج الحماية، إنما الإرشاد والعاطفة. جول يختلف عن معظم الراشدين في حياة إيلي على قلتهم أو كثرتهم، بأنه يعاملها كفريق. جول كان أول شخص يعترف بأهليتها وقدرتها على مشاركته عبء الرحلة. أعطاها سلاحاً نارياً وأسند ظهره إلى ظهرها وهو يثق تمام الثقة أنها أهل لذلك. وهي لم تخيب أمله، فكما قلت من قبل.. إن التعامل مع هكذا مخاطر هي أشياء تتعلمها في المدرسة إن كنت قد ولدت في نهاية العالم.


سارا إبنة جول
بعد أن صار واضحاً الآن أن اللعبة هي جربة إنسانية أكثر منها لعبة أكشن. لنتحدث قليلاً بعد عن مجريات الأحداث.
ذا لاست أوف أس تتسم بذكاء عاطفي يتمثل في ديناميكية اللعبة والتحكم. كيف ذلك؟ لنرَ أولا كيف يتدرج بنا التحكم بالشخصيات.
أولاً في بداية اللعبة. تجدنا نتحكم بابنة جول. لفترة قصيرة فقط ولكنها كافية لنتعلق بها ونتعرف إليها ، لنرى كم هي رائعة وفتاة طيبة ومثال لطفلة الأحلام. شخصية ممتعة لأبعد حد وتتسم بالفكاهة والنضج. تذكركم بشخص ما؟ أجل، بالضبط.
نتجول بها في أرجاء غرفتها لنكون معها إحساساً بأنها فتاة حقيقية لها هواياتها وأحلامها، تحب كرة القدم وتعزف الجيتار وتقرأ الكتب وعلى الأغلب لديها الكثير من الخطط والأحلام للمستقبل.
ثم تبدأ الفوضى ويأتي جول الشاب الذي لم يكن قد خبر الأهوال بعد. في خضم الرعب وبينما ترتع المدينة بالوحوش تلقى إلينا مهمة التحكم بجول وحمل ابنته التي أحببناها للتو ومحاولة الهرب بها إلى بر الأمان، ولكن هيهات، فقط لكي يتأكد مطورو اللعبة من أننا سنشهد وبكل شفافية مشهد موتها بين ذراعي جول وتعيش معه كل ما أحس به وهو يراقب بلا حول ولا قوة مشهد ابنته و روحها حرفياً تتحشرج في حلقها. المشهد كان قوياً بشكل لا يوصف وقد أبدع في رسمه كل من شارك فيه بكل قسوة وجمال.



ثم تأتي بقية اللعبة التي نتحكم بها بجول بعد سنوات. حين أصبح قوياً ومنيعاً. نحس معه بالأمان بحجمه الضخم وتحمله للألم والإصابات ومهارته في التعامل مع الأسلحة التي اكتسبها في سنين من الممارسة القاسية. ما من شيء يمكنه أن يقهر هذا الرجل الذي يهزم الموتى الأحياء ويلوي رقاب الأعادي بكل يسر وسهولة.
خطأ. فهو بشر في النهاية. وإصابة واحدة بجرح ملوث كفيلة بأن تطرحه وترديه ضعيفاً يفترسه الوهن. كل ذلك الحس بالقوة والأمان الذي أورثه اللعب بجول طوال الفترة السابقة قد تبخر الآن فهو ليس منيعاً كما كنا نشعر. واللعبة واقعية بما يكفي لكي تصفعنا في وجوهنا بحقيقة أن مشروبات الطاقة لا تعالج البشر كما توهمنا في الألعاب الأخرى.


هنا يأتي دورنا لنلعب بشخصية إيلي. الفتاة الضئيلة التي لا تملأ نصف المساحة التي يملأها جول من الشاشة ليتسرب إحساس المناعة ويحتل مكانه شعور بالعجز والترقب. ماذا يمكن أن نفعل بإيلي؟ كيف ننقذ جول الذي يرقد بلا حول ولا قوة ويهذي من الحمى؟
طبعاً لن نستخف أبداً بإيلي التي انطلقت وحيدة في وجه كل الأهوال لتبحث عن دواء يمكنه أي يعالج حمى جول. هذه الجزئية من اللعبة تستعرض لنا أمرين وهما: قدرات إلي التي لم نكن نتوقعها فهي أبداً لا تقل عن جول مهارة. وثانياً كمية تعلقها بجول التي تمكنها في الخروج سعياً لإنقاذه وحيدة لأول مرة  ومواجهة عالم قد انتهى. تخيلوا ما يتطلبه الأمر من شجاعة لاتخاذ قرار خوض كل تلك المخاطر لأول مرة وحدها دون مرافق.


.
.

الألعاب في السابق كانت تعتبر مجرد تسلية، قضاء وقت أو امتحاناً للمهارات وما إلى ذلك. الأمر اختلف الآن. الألعاب أصبحت من أفضل وأمتع الوسائل لطرح فكرة ما أو مناقشة قضية دون أن نشعر بأننا نتلقى محاضرة أو نلقن درساً.
وعندما يأتي الأمر لذا لاست أوف أس، يمكن القول أنها يمكن وبكل بساطة أن تدرس في صفوف علوم الإنسان! لما تحتويه من فكرة ونظرة لموضوعات شتى من الإنثروبولوجية والفلسفية البحتة.



الطبيعة. 
من السمات الرئيسية للعبة، ومما يميز الجو العام لها. الطبيعة متواجدة في كل مكان بكل أبهتها وقوتها وجبروتها. اللعبة تريدك أن تفهم بشكل واضح وتام أنك تحارب الطبيعة وأنك لن تنتصر. ما هي أول صورة تقابلك عندما تبدأ تشغيل اللعبة؟ ترى مشهداً من داخل أحد المنازل المهدمة، إطلالة من على نافذة محطمة يتخللها العشب وتغزوها النباتات. هذه مجازية واضحة على تفوق الطبيعة على عدوان الإنسان فنحن نرى البناء المنيع الذي كان في زمنٍ ما رمز الأمان والاستقرار، وقد تسللت إليه الطبيعة وقهرته قهراً. لأن الطبيعة هي المنزل الأول وهي الأم.

أما من ناحية الحبكة، نلاحظ أن معظم ألعاب الزومبي تتحدث عن فايروس من صنع البشر وتم تطويره من قبل البشر. محاولة هوجاء من الإنسان لتسخير العلم وقوة طبيعية لأغراضه الأنانية، لكن هنا يختلف الأمر فالخطر آتٍ من الطبيعة نفسها كقوة لا يمكن محاربتها. الطفيل الذي يسبب المرض كان من الأساس موجوداً في الطبيعة وقد قررت الطبيعة تجنيده لمحاربة الإنسان الجائر. الأم الحنون التي لطالما تحملت أخطاء ابنها الإنسان قد قررت أخيراً تلقينه درساً بعد أن طفح الكيل.  تلاحظون أن البشر هم الوحيدون الذين يعانون من الخطر المحدق. كل الكائنات الأخرى تعيش في سلام وحرية ورخاء. وهذه صورة تتكرر مراراً في معظم مراحل اللعبة حيث نرى الحيوانات قد احتلت مستعمرات كان يقطنها الانسان واتخذتها مأوى لها بعد أن هجرها البشر غصباً أو بإرادتهم.
جول وإيلي في لحظة فريدة، يراقبان بعض الزرافات وقد هربت من حديقة حيوانات مهجورة لتعيش بسلام
بعيداً عن جور الإنسان.
الإنسان هو الوحيد الذي يعاني من تبعات غضب الطبيعة لأنه هو الجاني الأول.
.
.

ومن أحد الأفكار التي تناقش في اللعبة هي فكرة الأخلاقيات وطبيعة الإنسان. في مختلف المراحل تمتحن اللعبة بدهاء بوصلتنا الأخلاقية وبينما في نفس الوقت تطرح لنا الفكرة وكأنها تناقشنا لتعرف ما هو رأينا بها.
في العادة، وفي معظم الألعاب الأخرى تكون الشخصيات (البطلة) التي نلعب بها تلقائياً طيبة وخيرة و بطولية، حيث أننا دائماً نفترض أن الجانب الذي نتخذه هو جانب الخير، جميع أفعالنا في اللعبة مبررة لأننا نحن أصحاب الحق. هل الأمر كذلك فعلاً؟

لا تخفي علينا اللعبة أبداً أن جول قد فعل الكثير من الأمور الشريرة في السنوات التي تلت مقتل ابنته. انضم للمرتزقة، نصب الكمائن وقتل الأبرياء أحياناً بإسم البقاء وهناك مشهد يتضمن محادثة له مع إيلي ترينا ذلك، حين مر الإثنان بأحد الفخاخ المنصوبة للمارة الأبرياء وقد ميزه جول على الفور وحذر منه إيلي، سألته كيف يعرف بأمر الفخ؟ أخبرها أنها قد عاش في كلا الجانبين.. كان الصياد يوماً ما.
لا أدري كيف أحكم هنا فلا يسعني القول أن أخلاقيات جول عليلة فطوال اللعبة نحن معه ونسانده في محاربة المرتزقة والصيادين وآكلي لحوم البشر من البشر، وفي الواقع فإن أحصينا أعداد الموتى الأحياء التي نقتلها مقارنة بالبشر(الأشرار) الذين نقاتلهم ونقتلهم خلال اللعبة.. فاحزروا أي كفة ترجح؟
بالنسبة لنا نحن حين نقتل الزومبي فهم مجرد حيوانات لا عقل لها تريد افتراسنا. وعندما نقتل المرتزقة فالأمر مبرر فهم من هاجمنا أولاً، وحين نذبح آكلي لحوم البشر فهم مقززون تخلوا عن إنسانيتهم في سبيل البقاء وانحدروا إلى مستوى البهائم المفترسة.
لكن، من نظر الزومبي فنحن مجرد طعام كما الدجاج بالنسبة لنا مثلاً، ومن نظر المرتزقة وآكلي لحوم البشر فكل شيء مشروع في نهاية العالم والضرورة تبيح المحظورة!

----------------------------------------------------------------------------------------
هناك تجربة أخلاقية شهيرة جداً ناقشتها مفكرة بريطانية واسمها "معضلة القطار" أو "معضلة الترولي"
تخيلوا أن هناك قطاراً مسرعاً لا يمكن إيقافه على وشك دهس خمسة أشخاص أمامه. هؤلاء الخمسة غير واعيين لما يدور حولهم ولا يمكنك تحذيرهم بأي شكل من الأشكال، لكن يمكنك إنقاذهم بطريقة ما.
تلك الطريقة هي أن تضغط زراً معيناً يمكنه تحويل مسار القطار بعيداً عن السكة التي هم فيها، ولكن المسار الآخر يحوي شخصاً واحداً فقط وسيموت لو قررت إنقاذ الخمسة.
س: هل ستضحى بالشخص الواحد لإنقاذ الخمسة؟
سيكون من المثير للاهتمام قراءة إجاباتكم عن هذه المعضلة في التعليقات بعد الانتهاء من قراءة هذه التدوينة.
----------------------------------------------------------------------------------------

**من هنا أتكلم عن أحداث تحتوي حرقاُ لنهاية اللعبة**

تعالوا الآن نرى من ناحية أخلاقية بحتة وبغاية الحياد كم عملاُ شريراً ارتكبناه في اللعبة ونحن مقتنعون بأننا على حق؟ أوضح مثال على ذلك هو المجزرة التي ارتكبها جول في نهاية اللعبة لإنقاذ إيلي. من كان يقاتل؟ اليراعات.
الجماعة الخيرة التي تبذل الغالي والرخيص لإنقاذ البشرية. الجماعة التي كنا حتى هذه اللحظة نعتبرها جانب الخير، نساندها ونقاتل كي نصل إليها ونقدم لها العون.
في اللحظة التي اكتشفنا فيها أن إيلي يجب أن تموت كي يصنع المصل من دماغها، انقلبت بوصلتنا الأخلاقية وتلك الخاصة بجول رأساً على عقب. أصبحوا هم الأعداء وعلينا أنقاذ إيلي بأية طريقة. اقتحام مقرهم.. إطلاق النار بحرية عليهم.. 

أذكر في تلك المرحلة أن عقلي كان يقنعني بألف عذر يبرر ما كنت أنا وجول نفعله بحق أمن المنشأة الطبية التي تقرر فيها "قتل" إيلي.. إنهم الأشرار.. كذبوا علينا منذ بداية الأمر.. لماذا يهاجموننا الآن؟ كان يمكن أن نحل الأمر بالتفاهم ولكنهم همج (بينما نحن من اقتحم المنشأة وبدأ إطلاق النار.. ياللعار).
وليزيد الأمر سوءاً، ولتمتحننا اللعبة أكثر وأكثر.. ندخل غرفة العمليات التي سيتم فيها استئصال دماغ إيلي لنراها مسجاة في طاولة كفأر التجارب والأطباء حولها. في تلك اللحظة كل ما فكرت فيه هو كم أنهم وحوش.. بينما في الواقع هم يؤدون عملهم لإنقاذ كل الناس بما فيهم جول نفسه. كل ما رآه جول في تلك اللحظة هو ابنته الصغيرة تقتل من جديد.
لم يتردد ولا لحظة واحدة في إطلاق النار على الأطباء العزل الأبرياء وانتشال إيلي من هناك والخروج بها من ذلك المكان.
هل كان هذا هو الخيار الصائب؟ هل كان هذا هو الفعل الصحيح؟ الأدهى من ذلك أن اللعبة لا تمنحك الخيار كي تقرر بين إنقاذ البشرية وإنقاذ إيلي.. الأمر يحصل رغماً عنك ولكنك ضغطت ذلك الزناد طواعية وقتلت الإطباء وأخرجت إيلي بإرادتك.

اللعبة أرادتك أن تعيش مشاعر جول لحظة بلحظة.. تشاركه غضبه من العالم وخوفه من خسارة طفلته من جديد.. لكن ليس من مقعد المتفرج، إنما من منظور الشخص ذي الخيار، رغم أنك لم تملك الخيار.. لو أن اللعبة احتوت خياراً يتيح لنا التضحية بإيلي فأنا واثقة من إننا كنا جميعاً سننفخ صدورنا ونختاره لأن التضحية بالفرد لإنقاذ الكل بطولة. ولكن اللعبة تريد أن تفمنا بكل وضوح أننا في الواقع ما كنا سنختار جموعاً لا نعرفها فوق شخص أحببناه.. أن هذه البطولة المنفوخة في الواقع ليست سهلة كما نتخيل.

ولو فكرنا في الأمر؛ فأن إيلي كانت مستعدة للموت والتضحية لأجل البشرية.. كان هذا خيارها ولكننا اقتحمنا المكان وانتشلناها.. ثم يأتي مشهد السيارة .. رباه كم كان ذلك المشهد قوياً وقطعة فنية بحق إن أمعنت النظر فيه..

يفتتح المشهد ونحن نرى جول يقود السيارة مبتعداً عن مقر اليراعات.. وحده؟ أين إيلي؟ هل اقتنع بتركها للموت وذهب؟ ذلك الشعور العميق بالخيانة الذي صاحب هذا المشهد عندما ظننا أن جول قد جبن وترك إيلي تحت رحمة مشارط الأطباء وغادر.. يقابله فوراً شعورالارتياح حين تتغير زاوية المشهد لنرى إيلي سالمة في المقعد الخلفي وقد هرب بها جول بعد كل شيء. 

ويأتي مجدداً سؤال الصواب والخطأ.. وأكتشف أن مشاعري قد خانتني فيما يتعلق بأخلاقياتي وما كان يجب أن يحصل. أرعبتني فعلاً حقيقة أنني سعدت بسلامة إيلي حتى إن كانت تعني فناء البشرية وضياع الأمل الوحيد في النجاة.
لكن وبرأيي ..

قد يكون جول بفعلته هذه قد أهلك البشرية كلها.. ولكنه برأيي، قد أنقذ الإنسانية.

قد نكون بشراً متقلبين، وقد تكون أخلاقياتنا يحكمها الخوف و الحب سائر المشاعر المتخبطة، وصحيح إننا سنغير قوانيننا لتتلائم مع ما نشعر به ولنبرر ما نفعل، ولكن في النهاية هذا ما يجعلنا بشراً.. هذا الشغف والإحساس هو ما يميزنا جداً عن سائر الكائنات. وهو إلى جانب العقل، الشيء الوحيد الذي نفخر به ليميزنا.

بعد ختامي لللعبة.. اقتنعت في النهاية أن كل الفصائل ستنقرض في يوم ما والبشر لن يعمروا الأرض إلى أبد الآبدين.. كما هلك من قبلنا فلابد أن نهلك. الطبيعة ستأخذ مجراها سواء شئنا أم أبينا.
وكما علمتنا إيلي .. على الأقل لنقضى ما تبقى من أيامنا مع من نحب. حتى إن كان في ذلك أنانية لا توصف.. فنحن بشر وهذا هو ما نحن عليه.




عصير الكلام:

لطالما صورت لنا الأفلام والأعمال الأدبية وغيرها مجتمعات نهاية العالم وكيف أننا في أوقات الخطر نتحول لمخلوقات أنانية جمة وقد نتردى من منزلة البشر إلى منزلة الحيوان كي نحافظ على استمرارية نوعنا.
ولكني شخصياً أظن أن هذه الفكرة قد لا تكون صائبة تماماً. نحن كبشر مخلوقات جماعية وإن كانت المصائب تفعل في طبيعتنا شيئاً، فهي تقربنا من بعضنا.
إن حصلت نهاية العالم كما تصورها الأفلام.. فنحن لن نأكل بعضنا، وإنما سوف نتآزر ونعيش معاً وننجو معاً ونبقى معاً ونتخذ قوتنا في جماعتنا.
قد تكون هذه نظرة ساذجة وغير واقعية.. لا أدري..
فالأبوكاليبس نفسه قد لا يكون فكرة واقعية، ولذلك من حقي أن أفكر به كما أشاء ^_^



أشكركم على قضاء الوقت في قراءة التدوينة
إن كان منكم من لم يحظى بفرصة عيش تجربة هذه اللعبة الرائعة فآمل أن تتاح له قريباً 
خصوصاً وأن الجزء الثاني سيصدر تالياً..
أنا شخصياً أنوي لعبها مجدداً، فمن يدري.. قد أكتشف المزيد من خباياها
.
.
.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق